مركز تحميل الصور

من فضّ رابعة إلى فضّ غزة

0 التعليقات



وائل قنديل
من شرق القاهرة "رابعة العدوية" إلى شرق غزة "حي الشجاعية" الجرح واحد والدم واحد، فالعقلية التي جهزت ونفذت جريمة العدوان على المعتصمين الرافضين للانقلاب العسكري في مصر، فيما عرف بمذبحة "فض رابعة" 14 غشت من العام الماضي، هي ذاتها العقلية التي تتوهم أنها قادرة على فض غزة الفلسطينية بعد نحو عام على المجزرة المصرية.
الفظاعة في القتل أيضا تتشابه من رابعة إلى الشجاعية، إذ تتشارك العمليتان في كونهما جريمتين ضد الإنسانية، تستهدفان إيقاع أكبر قدر من الخسائر في أرواح المدنيين، كي يتحول المتمسكون بعقيدة المقاومة إلى أمثولة لكل من تُسوّل له نفسه الرفض والاحتجاج.
في الجريمتين أيضا ينطلق الجناة من أن ما يسمى "الضمير العالمي" دخل في غيبوبة، أو صار محكوما بموازين القوة، لا ضوابط الحق، ومن ثم بحساب العواقب يكتشف القاتل أن الفواتير لن تكون مكلفة بالحجم الذي يخيف أو يردع أو حتى يزعج. إن متابعة التنسيق غير المسبوق والأداء المتناغم للدبلوماسيتين المصرية والإسرائيلية في محاولة سحق المقاومة الفلسطينية، تظهر أنه يعتمد على ترسانة الأكاذيب التي جرى توليفها كمقدمة للاجتياح الشامل لاعتصامات رافضي السلطة الانقلابية -المدعومة أميركيا وإسرائيليا- على المستوى السياسي، وسعوديا وإماراتيا على صعيد التمويل والاقتصاد.
ففي إطار عمليات التمهيد للحرب على المعتصمين كان الحديث الإعلامي/الأمني يعتمد على تصدير مجموعة من الأوهام، من عينة الكرة الأرضية التي وضعها المعتصمون تحت الأرض لإخفاء جثث من قتلوهم، ويلتقي هذا الهراء مع هراء مماثل تضمنه الفخ الذي نصبته الإدارة المصرية لاصطياد المقاومة الفلسطينية وأطلقت عليه"مبادرة" إذ بدا غريبا حديث مؤلف المبادرة المزعومة، أو بالأحرى مترجمها عن العبرية، عما وصفه بـ "أعمال عدائية ضد إسرائيل برا وبحرا وتحت الأرض".
مولعون هم إذن بحواديت ما تحت الأرض، وبارعون في تلفيق أجواء ما قبل الجرائم والفظاعات، بيد أنه فاتتهم أشياء شديدة الأهمية، تجعل أحلامهم في فضّ غزة، كما فُضّت رابعة، ضربا من المستحيل، فغزة ليست مكانا للاعتصام السلمي، بل مجمرة لبدايات التحرر والانعتاق من ربقة استعمار صهيوني، واستحمار أميركي لأنظمة عربية تتغذى على فائض مراعي السياسة الأميركية.
لقد قلت منذ أيام أن ما تسمى "مبادرة" مصرية، ليست إلا كمينا، استهدف الإيقاع بالمقاومة الباسلة في شَرَك شديد الخبث، فإما أن تقبل بالإملاءات الصهيونية للتهدئة، أو يظهرها إعلام "ائتلاف الانقلاب والاحتلال" في صورة شيطانية رافضة لمحاولات حقن دماء الشعب الفلسطيني، ومن ثم توقّع المقاومة بخط يدها أحد قرارين: انتحارها سياسيا وأخلاقيا، أو قرار إعلان مسؤوليتها عما ينتظر الفلسطينيين من جحيم.  
غير أن التطورات المتسارعة في الساعات الماضية كشفت عن أن المقصود من مبادرة "ائتلاف الشر" هو إيجاد المبررات الكافية للتسريع باجتياح غزة وفض المقاومة والقضاء عليها قضاء مبرما، إذ تحركت آلة الحرب الصهيونية بجنون لا يضاهيه سوى جنون سلطات الانقلاب في مواجهة أية محاولة شعبية في مصر للتضامن مع الأشقاء في غزة.
ويبقى الأكيد أن غزة ليست رابعة، على الرغم من كونهما شقيقتين.. ستبقى غزة وستهزم قاتلينا وتحررنا من أعدائنا في الداخل والخارج.
تابع القراءة Résuméabuiyad

في الحياة البرلمانية

0 التعليقات

في الحياة البرلمانية
صلاح مفيد
يعتبر البرلمان أهم واجهة من واجهات الديمقراطية الحديثة.. كانت له بعض السوابق في العصور القديمة في التجربة اليونانية والرومانية، وله أشكال محلية مثل نظام "الجماعة" التي كانت تعمل به القبائل الأمازيغية في المغرب، لكنه يبقى مع ذلك، منتجا حضاريا مرتبطا أساسا بالتجربة السياسية للمجتمعات الغربية الحديثة، بعد أن تمت مأسسته بشكل نهائي، إثر الطفرة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها دول أوربا الغربية.
في التجربة السياسية الإسلامية، لا نجد له مثيلا، وإن كانت السلطات الحاكمة، تبادر إلى استشارة ما يسمى أهل "الحل والعقد" من علماء وشيوخ وأعيان. ورغم أنه، لا يمكن التأصيل له انطلاقا من مصادر التشريع الإسلامي، إلا أن الأدبيات السياسية التي أنتجها رواد النهضة العربية، ومن بعدهم الأدبيات الإسلامية الرصينة، لا تعترض على تشكيل البرلمانات، باعتبارها آلية سليمة يمكن أن تجسد مبدأ الشورى، الذي يعد من المبادئ التي تقوم عليها "الدولة الإسلامية".
في المغرب، ارتبط تشكيل البرلمان بالدولة الوطنية المستقلة التي كان من بين الأدوار المنوطة بها التأسيس لهياكل دولة حديثة، كما هي متعارف عليها في الأدبيات السياسية الغربية.
ولقد راهن المغرب على البرلمان، بعد أن استبعد نظام حكم الحزب الواحد، من أجل السهر على رعاية التنوع الثقافي والاجتماعي والسياسي، لمواطنين يمتلكون نفس الحقوق ومختلفون في الطموحات والمرامي والأهداف، وليكون فضاء يسمح لهذه الرؤى من التصارع في ظل حرية التعبير عن المشاريع، وإعطائها الفرصة للتداول السلمي على السلطة.
وبغض النظر عن الأسئلة الكثيرة التي يمكن صياغتها عن هذه المؤسسة من حيث المشروعية والقيمة.. إلا أنه مع ذلك لا يمكن أن ننكر التراكم الإيجابي الذي أنتجته بعد كل هذه السنوات.
إلا أن المتتبع لما يجري تحت قبة البرلمان بمجلسيه، يمكن أن يقف عند بعض الملاحظات التي تسيء إلى هذه المؤسسة، وأهمها، أن السادة النواب، وبدل أن يتنافسوا في ما يخص المهام الملقاة على عاتقهم والتي من أجلها انتخبهم المواطنون، والتي من جملتها المراقبة والتتبع والمحاسبة، انبروا إلى تحويل البرلمان إلى ساحة "للتبوريد" و"التحياح" والقصف المتبادل، مستفيدين في ذلك، من الحصانة التي يتمتعون بها، للتفوه بكلام يدخل في إطار القذف والسب والتجريح، وتجر صاحبها للمساءلة القضائية، إذا ما تم التلفظ بها خارج قبة البرلمان.
والطامة الكبرى، أن كل هذا، يحدث أمام أنظار المواطنين الذين يمكنهم تتبع جلسات البرلمان عن طريق الشاشة الصغيرة.
إن هذه السلوكات، إذا كانت غير مقبولة من الناحية الأخلاقية فإنها من الناحية السياسية، تأثر سلبا على نظرة المواطنين للحياة البرلمانية خاصة، والحياة السياسية عامة، وتدفعهم إلى العزوف عن الانخراط فيها، والأخطر أنها تدفع الشباب إلى عدم الاهتمام بالشأن العام المحلي، ومقاطعة الكثير منهم للانتخابات، بل ولا يكلفون أنفسهم حتى عناء التسجيل في اللوائح الانتخابية حين يصلون للسن القانونية لذلك.
الحياة السياسية في أي بلد حول العالم لا تستقيم دون برلمان، وتطور الدول من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. يقاس بمدى تطور ونجاعة البرلمانات التي يمكن اعتبارها، "العقل المدبر" للدولة من حيث قوتها الاقتراحية، وصمام أمان لها بقدرتها على مراقبة ومحاسبة الحكومة والمؤسسات العامة، والأهم خلق نوع من الإجماع المجتمعي، الأساسي لكل إقلاع اقتصادي أو تنمية بشرية مستدامة.
تابع القراءة Résuméabuiyad

بيان "بدر" حول "غزة"

0 التعليقات

بيان "بدر" حول "غزة"
سياق " بدر"
إن أي رسالة تسعى إلى تحرير الإنسان من العبودية و المساواة بين البشر في الحقوق و الواجبات، و نصرة الضعفاء و تثبيت الحق، لابد أن تعادى و تقاوم و يتخذ في سبيل ذلك كل الوسائل لإطفاء جذوتها في المهد.
كانت الدعوة المحمدية تجسيدا لهذا الصراع، فبعد الشعور بالخطر على الآلهة و الأصنام، أدرك أبو لهب إفلاس بورصته المالية، وأحس أبو جهل بتهديد مكانته و خراب ناديه السياسي، فأعلنوا العداء و تفننوا في المواجهة، فأذاقوا المسلمين فنون التعذيب، و نظموا " قصيدة الإبعاد " التي ستتلوها شعاب مكة، و تنشد سياط أبي لهب سيمفونية " بلالية " : أحد أحد... و تشهد بذلك الهجيرة و الرمضاء، و يمارس النظام القرشي حصاره الاقتصادي، فلم يكن أمام المسلمين سوى البحث عن أرض طيبة تهيئ لهم الظروف لاستمرار ناموس الدعوة . لقد كان تغيير مركز الدعوة الجديدة من مكة إلى المدينة أفقا استراتيجيا أدركت فيه قريش الخطر على تجارتها و قوافلها و وثنيتها.
كان لابد من تطور موقف المسلمين من الضعف، الذي فرضته ظروف مكة، إلى التمكين، فقد أخرجوا من ديارهم و تركوا بلدهم، أحب بلاد الله إلى رسول الله ( و الله لولا أن أهلك أخرجوني منك ما تركتك أبدا ).
لم يكن هدف المسلمين القتال فقد خرجوا يطلبون قافلة قريش التي يسير بها أبو سفيان لعلهم يعوضون عن ممتلكاتهم التي تركوها في مكة، لكن أبا سفيان بدهائه نجا بالقافلة بتغيير الطريق، لكنه منح النجاة لقريش بتجارتها و مهد لهزيمة عسكرية، فقد خرجت قريش بزعامة قادتها في أعداد ضخمة و أسلحة كثيفة لتحمي قافلتها، و بعد علمها بسلامتها أبى استكبارها و تعنتها إلا المواجهة، و رفضوا العودة، و كان أمر الله قدرا مقدورا.
لقد كان قتال المسلمين لقريش لدفع الأذى و تأمين حرية الدعوة و استرجاع حقوق المظلومين، وذلك في شروط راقية للمواجهة، فقد نهى عليه الصلاة و السلام عن قتل كثير من المشركين ( إني قد عرفت رجالا من بني هاشم و غيرهم قد خرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هاشم فلا يقتله، و من لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما خرج مستكرها )، كما استوصى بالأسارى خيرا و كان الفداء على قدر أموالهم و قدراتهم و أطلق سراح بعض الأسرى الذين لم يقووا على الفداء كوهب بن عمير و أبو عزة عمرو الجمحي، و كانت تجربة متميزة في تاريخ الشعوب في التعامل مع الأسرى، و هي الفداء مقابل تعليم المسلمين، هذه المقصدية و الفلسفة التنموية البشرية العسكرية لم يقف عندها القادة و الضباط العسكريون، على مر التاريخ، في مواجهاتهم الحربية، كيف يصبح عدوك و خصمك ( الذي هو في هذا السياق كافرا) معلما لك ؟ كيف تنتقل من الرغبة في الانتقام و الإبادة إلى الرغبة في التعليم من عدوك ؟ فلا يمكن أن يكون أي هدف لهذا العمل سوى مقاصد الدين ؟ فإذا غابت هذه البوصلة فلا يمكن أن تكون إلا مقصدية الإبادة و الاستعباد و الحصول على الثروات و الموارد الأولية و تحقيق الأحلام العنصرية، عقلية و مقصدية العدو الصهيوني.
بين بدر و غزة :
إن من حكمته تعالى أن يجمع رمضان هذه المواجهات الحضارية، فالصراع في عمقه واحد بين بدر و غزة، والمستهدف واحد : دين الله و دعوته، فالأرض ليست مقابل السلام، فقد عرضت على الكيان الصهيوني أراضي مختلفة في كندا و إفريقيا لكنها رفضت ذلك، فالأمر صراع هوية و تبعية، و رغبة في الاستئصال و وضع حد للخطر الاستراتيجي في المدينة و أو في غزة أو في غيرها، و كل تحرر و دعوة للحرية و التوحيد يعادى ( و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم )البقرة 120 ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود و الذين أشركوا )المائدة 82.
إن سنن الله واحدة تتكرر في الزمان و المكان بنفس المنطق ( و لن تجد لسنة الله تبديلا )، العداء لأهل الحق واحد، لا فرق بين نتانياهو و أبي جهل و لا بين ليبرمان و أمية بن أبي الصلت و لا بين ليفني و زوجة أبي لهب، حمالة الحطب.
إن مواجهة بدر بيان إلاهي فيه توصيات تصدق على كل مواجهة أو موقف صراعي بين الحق و الباطل، و هي كالتالي :
ـ إن كثرة العدد و العدة ليست مقياسا للنصر، فالخصم قد يقل عدده أو يكثر حسب معنويات المقاتل، لقد وصف عمير بن وهب المسلمين في هذه المواجهة ب ( البلايا تحمل المنايا )، و شتان بين من يشتري نفسه بثمن الجنة و من تسيطر عليه روح الانهزامية قبل بدء القتال، فقد خرج أمية بن خلف تحت ضغط أبي جهل الذي قال له :( استجمر أبا علي فإنما أنت من النساء )، و قد كانت صورة القدح الناهي عن الخروج تشيع فيهم روح اليأس.
ـ إن الدعم الالاهي متعدد بتعدد السياق و بمستويات المواجهة، فقد مكن الله البدريين من نوم عميق ليلة المعركة للاستعداد النفسي و الجسدي و منحهم قوة نفسية " اينشطانية"، يصبح فيها عدد العدو أمرا نسبيا، كما أنزل المطر و تمهدت به الأرض الرملية لتخف حركة المسلمين في مقابل عرقلة حركة قريش،(إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام)الأنفال 11 ( إذ يريكهم الله في منامك قليلا و لو أراكهم كثيرا لفشلتم و لتنازعتم في الامر و لكن الله سلم، إنه عليم بذات الصدور) الأنفال 43. إن حركة الله لا تقتصر على تأييد المؤمنين بل تتحكم أيضا في حركة العدو،( وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا، و يقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا، و إلى الله ترجع الأمور)الأنفال 44
إن هذا الدعم الإلاهي ليس حكاية "أزلية " و لا بطولات وهمية تقرأ في الحلقات والساحات، بل الأمر مصيري و حاسم لمصير الدعوة ( اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض )، و العصابة هنا في العربية كانت تعني الفئة المؤمنة، و المؤمنون ينصرون الله فينصرهم،( إن تنصروا الله ينصركم و تثبت أقدامكم) و هذا من بنود بدر التي تعاد في غزة، فمن الدعم المعنوي الذي يعيشوه أهل القطاع أن الصواريخ لم تعد ترعبهم عكس العدو، رغم اختلاف قوتها، و من الدعم المعنوي الغزاوي، الذي لا نعرف حقيقته نتيجة البعد عن الساحة و للتعتيم الإعلامي، أن العدو لم يعرف حقيقة غزة تحت الأرض و لا يستطيع الوصول إلى أهدافه، و لا يستطيع مطاردة صواريخ القسام بقبته الحديدية التي أصبح الشك فيها و أنها " وهم إسرائيلي".
إن الذي أنزل الملائكة يوم بدر قادر أن ينزلها في غزة، أليست نفس المعركة، أليست نفس القضية ؟ أليست نفس القوانين و السنن ؟ أليست الآية حصرية ( و ما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) أليست هذه عزته و حكمته على الأرض ؟ أليست شروط النصر هي الصبر و التقوى ؟
فبعد الدفعة الأولى من جنود الاحتياط الملائكي الجاهزة التي تنتظر الإذن الالاهي ( ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين؟ )آل عمران 124 يأتي مدد تحقيق شروط النصر ( بلى إن تصبروا و تتقوا و يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين)آل عمران 125.
ـ و من بنود بيان بدر، الدعاء، كان رسول الله (ص) يتابع المعركة و قلبه متعلق بالله، تارة ينزل المعمعة فيستنهض الهمم، و تارة يصعد العريش يدعو ربه و يستغيثه و يستنجزه وعده بالنصر.
إن التضرع إلى الله ثمن النصر في كل الأحوال، فهو الوظيفة الكبرى التي خلق من أجلها الإنسان، فالمصائب و الابتلاءات المختلفة التي تصيبه هي أسباب و عوامل تنبهه لعبادة الله و الفرار إليه، و التضرع هنا ليس سلبية و لا تواكلا فقد سبقته حركة "فاثبتوا "،( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا و اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) الأنفال 45، و الثبات يعرف لحظة الشدة، بل هو شرط في الحياة العادية الاجتماعية فما بالك في اللحظات المصيرية ؟ إنه أكبر قوة لمواجهة العدو، أليس الثبات هو الذي يجعل غزة تنضاف إلى عجائب الدنيا السبع ؟ إن غزة رمز الثبات، تمرست بالحصار حتى تركته يقول أمات الموت أم ذعر الذعر، غزة رماها العدو بالنار حتى تكسرت الصواريخ على الصواريخ و لم تعد تبالي، إن ثبات غزة يخلق الذعر في الكيان الصهيوني، و ما أراه إلا الدعم الالاهي الذي أعطاه الله تعالى لأهل غزة.
ـ و من بنود بدر أن النصر في المعركة ينبع أساسا من الحنكة و سعة الأفق و القدرة على تحريك القوات و التعامل معها، و الثقة الكبيرة المتبادلة بينها و بين القادة، فقد ارتبط رسول الله(ص) بالبدريين في كل لحظات المواجهة، يخطط و يوجه و يعالج مواضع النقص و يعدل الصفوف بل و يباشر القتال، و يكون ضمير كل لبة، يقول علي بن أبي طالب : (كنا إذا اشتد الخطب و احمرت الحدق اتقينا برسول الله، فما يكون أحد اقرب إلى العدو منه، و لقد رأيتني يوم بدر و نحن نلوذ برسول الله )، و في تصريحات أحد قادة غزة أنه لا يميز بين الشهداء الأطفال و النساء و القادة.
و يأتي بند المشورة في بيان "بدر"، فقد كان الرسول (ص) يستشير أصحابه فيما له علاقة بالتدبير و السياسة الشرعية، فالاتفاق على المواجهة كان جماعيا، و لم يكن جواب أبي بكر و لا عمر و لا المقداد كافيا، فظل عليه السلام يتأمل في الوجوه باحثا عن رأي الأنصار، فليس من حقه أن يجبرهم على القتال لأن المعاهدة معهم لا ترتبط إلا بالدفاع عنه داخل المدينة، فلما تحدث سعد بن عبادة اطمأن و طابت نفسه عند ذاك، و يجسد نزوله عند رأي الحباب بن المنذر لتغيير مكان التموقع قمة المشورة.
إن القوة التي تمنح للغزاويين، و التي أثارت العدو و كانت سببا في الهجومات، هي وحدتهم و تكثلهم و اتفاقهم الذي يشترط المشورة، فالمشورة هي فلسفة أي اتفاق، ينتج عنها التراضي ثم الدفاع عما اتفق عليه. إن الأعداء يدركون جيدا ما معنى "الوحدة"، فهي المعادل الموضوعي للتوحيد : إلاه واحد و دين واحد و مصير واحد و بالتالي عدو واحد، هذا ما يخشونه، و هم يعرفون جيدا نظرية " الكاو" التي يهزم فيها الضعيف القوي، فقد حقق أهل بدر " الكاو" لقريش و يحقق أهل"غزة" الكاو" للعدو الصهيوني، و لا أستبعد أن تصبح أبجديات " المقاومة الغزاوية " تدرس في الجامعات الحربية، صواريخ لا تكلف إلا ثمن علبة "سيجار" لدى العدو في مقابل صاروخ القبة الحديدية الذي يكلف 50 ألف درهم.
ـ و من بنود بدر " مراعاة السياق "، فقد كان الرسول (ص) يعرف شروط الواقع و ما تتطلبه المرحلة و كيف يتعامل مع أعدائه و خصومه دون أن يفتح عليه الجبهات للمواجهة، فقد تعاهد مع اليهود داخل المدينة من خلال وثيقة دستورية تضمن لهم حقوق المواطنة و التمتع بالحرية الدينية، و قد أثبتوا و كما يثبتون في فلسطين أنهم سباقينا إلى نقض العهود و لا يضمن شرهم و أن سياستهم العنصرية لا تجعلهم يعيشون السلام،( العودة إلى قصصهم القرآنية و تاريخهم الصهيوني )
تابع القراءة Résuméabuiyad

لماذا تؤدي كل الطرق إلى روما وتفشل كل المسارات المؤدية إلى المدرسة؟

0 التعليقات


        بغض النظر عن السياقات السياسية والتربوية التي أفرزت الحديث عن "برنامج مسار"، وخصوصا ما تعيشه المنظومة من تراجعات على مستوى الاختلال العام، ما يجعلنا نطرح تساؤلات عن اي مسار نحن فيه سائرون؟ هل هو مسار السيد الوفا؟ ام مسار خطاب 20 غشت؟ ام مسار برنامج  حكومة بنكيران 2؟ ام مسار الوزير بالمختار؟ أم مسار منتديات ومناظرات عيوش؟ أم مسارات حكومة الظل؟ فعلا هي مفارقات، ومسارات التّيه والعَبث واللاّمعنى.
       إذا سألت أيّ فاعل تربوي، أي أستاذ..أي مدير..أي مفتش، أي مُثقف ..أي مسوؤل كيفما كانت مرتبته، أي تلميذ... أي مسار أنت سالك؟ سيصدمك تنوع المسارات وتعدد وجهات النظر.
        إنني أحِنُّ إلى زمن "بوكماخ".. زمن "أحمد والعفريت"، وزمن "بَالٍيمَاكو" الزٍّنجِيُّ الصغير -وهو للإشارة كتاب على الأقل يعترف للمُكوِّن الزنجي في الحضور بالكتاب المدرسي ولو في رمزيته المأساوية. وأحِنُّ إلى "لا شيفغ دو مسيو سوغان" ووو..أشياء أخرى يقول مثقفنا العضوي.. مَعذِرة، لقد تكسَّرت لغة "مُوليير" على طواحين لغة الضاد، لم أعد أميز أي المسارات اللغوية يسلك لساني "المْثقفْ"، فكثيرا ما أحس بداخلي بأن هناك "أومْبوتِيَّاج" لغوي .. فأنا أفكر باللغة الأمازيغية وأحلل باللغة العربية وأنطق باللغة الفرنسية، وهذه مسارات حَيرتني، وحيَّرت مُثقفِينا ومُفكِّرينا السُّوسيو لِسانيين، أو بلغة أوضح "لْحَّاسين الكَابَّا الِّلسْنِيَّةِ"، فمرَّة مع التعريب ومرة مع "التفرنيس" ومرة مع مسَار "التَّدريج" و مرة مع مسار"المزغغة" وفي آخر المسار لا شيئ من هذا أو ذاك.. دَعونا من نقاش النخبة، فالمثقفون أشبه بالسُّفسطَائيين بَرعُون في عَرض بضائعهم فقط لمن يدفع أكثر. فتعالوا نسأل الأستاذ "المعلم الأول" و"الرسول المِثال" لعله يَفكُّ لنا شِفْرةَ المسار الضائع، لعله يوضح لنا في عَتمَة المسارات أية المسارات يسلَكُ وأية طرائق ينهج؟ أجابنا "الدُّغْبوشُ" وهي كنية أستاذنا لكثرة تدمره وسُخطه على الاوضاع: بعد أن رحَل عَنَّا السيد كزافيي "بُوشعكُوكَة"، وبعد ان أطل علينا السيد الوزير "بكشكوشة" بفتوحاته البيداغوجية، وخراجاته الإعلامية، وإبداعاته الهتشكوكية... ودَّعْنَا الدِّيدَاكْتِيكَا، وطَلَّقْنَا البيداغوجيا، وجَمعنا ما تبقى من جذاذات الأسْلاف، وطَوَيْنَا السبورة نِصْفينِ، وشَرَّعْنَا التَّعَدُّدَ...فَاخْتَار كُل واحد مِنّا دَرْبَهُ المُضِيء، وسَلكَ كل واحد مَسَارهُ السَّهل..عِلْما مِنَّا أنّ الصَّومعة آيلَة للسُقوطِ وأنّ رَقبَة الأستاذ "الحَجَّام" قد أيْنعَت في كُل الأزمنة ويَسْهُل قِطافُها في كل الأمكِنة. فهل لديك بيداغوجيا "لِلمَقهورين" تكفينا حُرقَة التَّيهِ ومَرارةَ الاغْتِراب..؟ ألم تَكفِيهم مَسارات البنك الدولي ووصَفاته السِّحرية؟ لماذا يخطئ الاصلاح البيداغوجي الطريق كل مرة؟ لماذا نفقد المسار ونفقد الطريق كل مرة؟ لماذا تؤدي كل الطرق إلى روما وتفشل كل المسارات المؤدية إلى المدرسة؟ هي أسئلة وجودية تختلط مع انكِسارَات المَسار الديمقراطي ببلادنا، وتلتوي بتلوينات المسارات السياسية لأحزاب "الخردة"، فهي لا تتوفر على مسار واضح للوصول بالبلاد إلى بر الأمان، أحزاب بلا مشاريع، بلا وضوح فكري و لا إيديولوجي، أحزاب متشابهة، ما يجعلك تفقد المسار والبوصلة، بين اليسَار واليمين، فالكل معروض في سوق "نخَاسة سياسية" و"دعارة حزبية". فإلى أين المسير؟ وأين المسار؟.
ودَّعتُ أستاذي بِلَوعة الحُرقة والاغتِراب، فواصلة المَسِير أبحث عن مدير لعله يوضح لي سِرَّ هذا "المسار" الذي أقام الدنيا ولم يقعدها.. وما سر هذا "اللوجوسييل" السحري العجيب؟؟ ففوائده كما صرح الخبراء لا تعد ولاتحصى. فلما وجدت المدير حَدثته عن "الدغبوش" ومساراته الثورية، وطلبت منه أن يوضح لي علاقة المدير "بمسار". فأطْنب في الكلام وثارت حفيظته بدون إذن ولا إشْعار سابق: أي مدير تتحدث عنه يا رجل؟ إن رمزية كلمة "المدير" توحي بما توحيه.. فالإدارة تقتضي التوفر على خارطة طريق وعلى "مسار"...فلماذا تحتجون على "مسارنا"؟ هذه حرب خاسرة منذ بدايتها؛ فبرنام "مسار" لم يأتي بجديد، فالطرق السَّيارة تُوفِّر مَسَارات متعددة لمن يريد التَّنويعَ في السرعة، أما نحن معْشر الادارة فمقولة "شَدْ اليمين" قد تعفيك عن السؤال، وعن تعدد المسارات والخِيَّارات. فالمشكل في نظري ليس في تأهيل العنصر البشري، فلنا من الخِبرات والكَفاءات من يستطيع اختراع برامج أعْقد وأفْيد من "برنام مسار"، ولكن بشرط، أن تُغيِّروا لنا مَسار التوظيف، وتُمكِّنونا من إطار "مدير سَيَّار" بالإضافة إلى توفير السيارة والكاتبة ومساعد طيار، لأن القيادة التربوية تستدعي التَّحكم في مسارات القيادة، وتخطيط السَّيرورات التي بفضلها يمكن الولوج والخروج بين مُدْخَلات ومُخْرجات المدرسة، بِسَلك الطرق الوطنية السَّهلةِ العَتبة فقط، دون الولوج إلى الطرق السَّيارة، التي تكثر فيها المُراقبة والغَربلة. يقاطعه "الدغبوش" مكفهرا، فهو يَكره المراقبة ويكره السُّلطة كيفما كان مصدرها "إنه أنَارْكِيُّ الطبع" ويكره التَّنميط، فكشَّر على أسنانه وانفجَر غاضبا: أية مراقبة تتحدث عنها يا رجل؟ مراقبة المفتش؟ أم مراقبة الضمير؟ أم مراقبة "الباري تعالى"؟ إنَّ المفتش رهِين السيارة.. اذا توفَّرت يسَّر الله له مهامه، واذا غابت غاب بإذن الله وتوارى... هو"مسير وليس مخير"، وهذا قدره.. فمساره المهني أهَّله ليكون هكذا أوكما شبهه أحد الحكماء: "المفتشون يشبهون البقرة المقدسة في الهند، لا تنتج ومع ذلك فهي مقدسة". فما الذي يجعل المفتش مقدسا ومنزها عن السؤال؟ إن مساره الوجودي هو طرح السؤال.. سؤال من قبيل، أي المسارات نسلك؟ سؤاله نقدي عن أي بديل بيداغوجي نَنهل؟ وعن أي المسارات التربوية نسلك؟ أية مدرسة؟ أية قيم؟ أي إنسان نريد؟ أسئلته مقلقة عن مسارات التربية والتنمية؟ عن مسارات البحث التربوي وعن انكسارات البحث العلمي؟ عن مسارات مجتمع المعرفة؟ عن المواطنة؟ عن الحرية؟ عن الإبداع وعن التنوير؟ هو ليس مقدسا كما قال حكيمنا. هو مسؤول عن اختلال المسار وانحرافاته. فدور المفتش ليس نهج "مسار النعامة"، او نهج "مسار النكافة"، بحيث يطبل بمساحيق التملق لمن يصل عريسا "مُسَيِّرا" للوزارة، أوينحني حتى تمر العاصفة فيملأ الدنيا زعيقا. وبذلك يُغيَّبُ مسار النقد، وتضيع أسئلة الحُرقة، عن المسارات الضائعة، وعن هدرالفكر وهدر الكيان وهدر الإمكان وهدر الإنسان...
 تركتُ الأستاذ وحيدا في مساره... وجدت المدير منغمسا في مساره... تاه عني المفتش في مساره... يبحث المثقف منذ الأزل عن مساره.. في الأخير سألت التلميذ عن "مساره"..أي مسار؟؟؟؟أجابني: أنا ذاهب لأحتج ..سأحتج على مسار الوفاء وعلى مسار بلمختار ..وعلى مسار بنكيران.. سأحتج على مساراتكم جميعا...

أحمد أوبلوش "باحث في التربية وحقوق الانسان"
 المرجو النقر أسفله لتحميل المقال كاملا: 
تابع القراءة Résuméabuiyad