مركز تحميل الصور

التغيير المستعصي

التغيير المستعصي
صلاح مفيد

ما الذي يعوق ولوج المغرب لنادي الديمقراطيات؟ لكن بداية، ما الذي يدفع لطرح هذا السؤال؟
بعد تجربة ما سمي بالتناوب التوافقي، الذي عقده الراحل الحسن الثاني مع الكتلة الوطنية...
وبعد 15 سنة من حكم محمد السادس، الذي بشر بمرحلة جديدة في تاريخ المغرب، تقطع مع تاريخ أسود في مجال التعاطي مع الأصوات المعارضة، المطالبة بالمزيد من الانفتاح على الديمقراطية وحقوق الإنسان...
وبعد الربيع العربي والدستور الجديد، الذي بشر هو الآخر، بانتقال ثان، مدفوع هذه المرة، بإرادة سياسية قوية ودستور متقدم...
بعد كل هذا، يبقى السؤال مشروعا، ما دامت هذه المحطات كلها، لم تجعل الدولة تحسم بشكل نهائي مع الخيار الديمقراطية.
لذلك فإن السؤال الأول يصبح ملحا على العقل السياسي المغربي، إذا كان هذا العقل فعلا، معنيا بتحقيق هذا الحلم. حلم مغرب ديمقراطي، كما هو متعارف عليه دوليا. مغرب يتسع لكل أبنائه، باختلاف معتقداتهم وأصولهم ولونهم وجنسهم.. والقطع، بشكل كامل مع مبرر الخصوصية أو الاستثناء المغربي أو الديمقراطية على الطريقة المغربية.. وكل الوصفات التي يكون الهدف منها الالتفاف على مطلب الدولة الديمقراطية.
للجواب عن هذا السؤال، أقترح ثلاث عوائق، أعتبرها أساسية تحول دون هذا التحول، مع التنبيه إلى أن هذا التحديد، ما هو إلا تحديد منهجي يفرضه البحت والتقصي، لأنني أفترض أن هذه العوامل تعمل كبنية متكاملة وتشتغل في إطار دينامية مندمجة، يصعب معها الجزم بأيها الأكثر أو الأقل تأثيرا، كما أن ترتيب ورودها لا يعني أهميتها بالمقارنة مع باقي العوامل. وهي كالتالي:
أولا: دولة ذات عمق تاريخي، لا تعرف إلى حد الآن، كيف تخلع عنها عباءة الدولة السلطانية، المدعومة بشرعية دينية، لتلبس بذلة ذات تصميم عصري، يجعلها أقرب إلى التصاميم المتعارف عليها دوليا.
ثانيا: طبقة سياسية مبلقنة ومنغلقة على ذاتها، وتحمل الكثير من الأعطاب الذاتية والموضوعية، تجعلها غير قادرة، على أن تكوّن جبهة متماسكة، تسعى إلى تطوير الممارسة السياسية في بلادنا، وتدعيم أركان دولة الحق والقانون.
ثالثا: مجتمع غير مؤهل للعب دور المحفز على توافق الفرقاء السياسيين، على خارطة طريق نهائية، من أجل الانتقال الديمقراطي المرغوب والنهائي، وصمام أمان، دون أي رَدّة فعل نكوصية أو رِدّة عن هذا المسار.
رابعا: بيئة خارجية إقليمية معادية للذهاب إلى أبعد حد في تطوير الحياة السياسية الوطنية، لكي لا يكون لها تأثير على باقي دول المنطقة، بعد أن أثبتت "نظرية الدومينو" وجاهتها، بعد الربيع العربي. وتقاعس الدول التي تدعي إيمانها بقيم الحداثة والديمقراطية عن الضغط، في اتجاه المزيد، من انفتاح النظام على الديمقراطية في بعدها الكوني.
هذه في اعتقادي العوائق الموضوعية والذاتية التي تحول دون أي نقلة نوعية في الطبيعة العميقة للدولة المغربية، دون أن تكون هذه اللائحة كاملة أو مكتملة.
بطبيعة الحال هناك من يرى أن هناك كوابح أخرى لا أنكر وجاهتها، فالمهم بالنسبة لي، هو أننا لا نزال في حاجة إلى تعميق النظر، في هذه الإشكالية، لنكون على وعي بممكنات وحدود تجربتنا السياسية التي تتيحها لحظتنا التاريخية، وذلك من أجل رفع التحدي الأساس، وهو أن نبني لنا مكانا تحت الشمس بين الدولة الديمقراطية، التي تقدر تاريخها وتطور حاضرها من أجل مستقبل أفضل لأبنائها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق